حميد بن أحمد المحلي

140

الحدائق الوردية في مناقب الأئمة الزيدية

وأبصر الأعمى رشده . يا بني : قطيعتك الجاهل تعدل مواصلة العاقل ، قلة التوقي أشد زلّة ، وعلّة الكاذب أقبح علّة ، وليس مع الاختلاف ائتلاف ، من أمن الزمان خانه ، ومن تعاظم عليه أهانه ، ومن لجأ إليه أسلمه . رأس الدين صحة اليقين ، وخير المقال ما صدّقه الفعال ، سل يا بني عن الرفيق قبل الطريق ، وعن الجار قبل الدّار ، واحتمل ضيم المدل عليك ، واقبل عذر من اعتذر إليك ، وكن من أخيك عند صرمه لك على الصلة ، وعند تباعده على الدنوّ منه ، وعند جموده على البذل ، حتى كأنه ذو نعمة عليك ، وإياك أن تفعل ذلك في غير موضعه ، أو تصنعه بغير أهله . لن لمن غالطك فيوشك أن يلين لك ، ولا تقل ما لا تعلم ، بل لا تقل كل ما تعلم . واعلم أن الانحراف عن القصد ضد الصواب وآفة ذوي الألباب ، فإذا اهتديت لقصدك فكن أخشى ما تكون لربك . وفي رواية أخرى : وإياك والاتكال على الأماني ، فإنها بضائع النّوكا ، وتثبيط عن الآخرة والأولى ، وخير حظ المرء قرين صالح . قارب أهل الخير تكن منهم ، وباين أهل الشر تبن عنهم ، ولا يغلبن عليك سوء الظن ، فإنه لا يدع بينك وبين خليلك صلحا ، وذكّ قلبك بالأدب كما تذك النار بالحطب . كفر النعمة لؤم ، وصحبة الأحمق شؤم ، واعلم أن الذي بيده خزائن السماوات والأرض قد أذن بدعائك ، وتكفّل بإجابتك ، وأمرك أن تسأله ليعطيك ، وهو رحيم بصير ، لم يجعل بينك وبينه من يحجبك عنه ، ولم يلجئك إلى من يشفع لك إليه ، ولم يمنعك إن أسأت من التوبة ، ولم يعاجلك بالنقمة ، وفتح لك باب المتاب والأسباب ، فمتى شئت سمع دعاءك ونجواك ، فأفض إليه بحاجتك ، وبث ذات نفسك ، وأسند إليه أمورك ، ولا تكن مسألتك فيما لا يعنيك ، ولا مما يلزمك خباله ، ويبقي عليك وباله ، فإنه يوشك أن ترى عاقبة أمرك حسنا أو قبيحا . واعلم يا بني أنك إنما خلقت للآخرة لا للدنيا ، وللبقاء لا للفناء ، وللحياة لا للموت ، وأنك في منزل قلعة ، وطريق إلى الآخرة ، وأنك طريد الموت الذي